الحلبي
479
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
نبينا وعليه وسلم ، فقال النجاشي : يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان ما يزيدون على ما تقولون ؛ أشهد أنه رسول اللّه ، وأنه الذي بشر به عيسى في الإنجيل : أي ومعنى كونه روح اللّه أنه حاصل عن نفخة روح القدس الذي هو جبريل ، ومعنى كونه كلمة اللّه تعالى أنه قال له كن فكان : أي حصل في حال القول . وفي لفظ أن النجاشي قال لمن عنده من القسيسين والرهبان : أنشدكم اللّه الذي أنزل الإنجيل على عيسى هل تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبيا مرسلا ؟ أي صفته ما ذكر هؤلاء ؛ فقالوا : اللهم نعم ، قد بشرنا به عيسى ، فقال : من آمن به فقد آمن بي ، ومن كفر به فقد كفر بي ؛ فعند ذلك قال النجاشي : واللّه لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته فأكون أنا الذي أحمل نعله وأوضئه : أي أغسل يديه ، وقال للمسلمين : أنزلوا حيث شئتم سيوم بأرضي : أي آمنون بها ، وأمر لهم بما يصلحهم من الرزق ، وقال : من نظر إلى هؤلاء الرهط نظرة تؤذيهم فقد عصاني . وفي لفظ ، ثم قال : اذهبوا فأنتم آمنون ، من سبكم غرم ، قالها ثلاثا : أي أربع دراهم وضعفها كما جاء في بعض الروايات ، وأمر بهدية عمرو ورفيقه فردت عليهما . وفي لفظ ، أن النجاشي قال : ما أحب أن يكون لي ديرا من ذهب : أي جبلا وأن أوذي رجلا منكم ، ردوا عليهم هداياهم فلا حاجة لي بها ، فو اللّه ما أخذ اللّه تعالى مني الرشوة حين رد عليّ ملكي فآخذ الرشوة ، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه . وكان النجاشي أعلم النصارى بما أنزل على عيسى ، وكان قيصر يرسل إليه علماء النصارى لتأخذ عنه العلم . أي وقد بينت عائشة رضي اللّه تعالى عنها السبب في قول النجاشي : ما أخذ اللّه مني الرشوة حين رد علي ملكي . وهو أن والد النجاشي كان ملكا للحبشة فقتلوه وولوا أخاه الذي هو عم النجاشي ، فنشأ النجاشي في حجر عمه لبيبا حازما ، وكان لعمه اثنا عشر ولدا لا يصلح واحد منهم للملك ، فلما رأت الحبشة نجابة النجاشي خافوا أن يتولى عليهم فيقتلهم بقتلهم لأبيه ، فمشوا لعمه في قتله ، فأبى وأخرجه وباعه ، ثم لما كان عشاء تلك الليلة مرت على عمه صاعقة فمات ، فلما رأت الحبشة أن لا يصلح أمرها إلا النجاشي ذهبوا وجاءوا من عند الذي اشتراه ، وعقدوا له التاج ، وملكوه عليهم ، فسار فيهم سيرة حسنة . وفي رواية : ما يقتضي أن الذي اشتراه رجل من العرب ، وأنه ذهب به إلى بلاده ومكث عنده مدة ، ثم لما مرج أمر الحبشة وضاق عليهم ما هم فيه خرجوا في طلبه وأتوا به من عند سيده ، ويدل لذلك ما سيأتي عنه أنه عند وقعة بدر أرسل